سيد قطب

713

في ظلال القرآن

والإعداد ، وارتقاب الأمر في الوقت المقدر المناسب . فلما أن أمن هذا الفريق في المدينة ؛ ولم يعد هناك أذى ولا إذلال ، وبعد لسع الحوادث عن الذوات والأشخاص ؛ لم يعد يرى للقتال مبررا ؛ أو على الأقل لم يعد يرى للمسارعة به ضرورة ! « فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ، وَقالُوا : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ؟ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ! » . وقد يكون هذا الفريق مؤمنا فعلا . بدليل اتجاههم إلى اللّه في ضراعة وأسى ! وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا . فالإيمان الذي لم ينضج بعد ؛ والتصور الذي لم تتضح معالمه ؛ ولم يتبين صاحبه وظيفة هذا الدين في الأرض - وأنها أكبر من حماية الأشخاص ، وحماية الأقوام ، وحماية الأوطان ، إذ أنها في صميمها إقرار منهج اللّه في الأرض ، وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم ؛ وإنشاء قوة عليا في هذه الأرض ذات سلطان ، يمنع أن تغلق الحدود دون دعوة اللّه ؛ ويمنع أن يحال بين الأفراد والاستماع للدعوة في أي مكان على سطح الأرض ؛ ويمنع أن يفتن أحد من الأفراد عن دينه إذا هو اختاره بكامل حريته - بأي لون من ألوان الفتنة - ومنها أن يطارد في رزقه أو في نشاطه حيث هو - وهذه كلها مهام خارجة عن وقوع أذى على أشخاص بعينهم أو عدم وقوعه . . وإذن فلم يكن الأمن في المدينة - حتى على فرض وجوده كاملا غير مهدد - لينهي مهمة المسلمين هناك ؛ وينهى عن الجهاد ! الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر ؛ والاستماع فقط إلى أمر اللّه واعتباره هو العلة والمعلول ، والسبب والمسبب ، والكلمة الأخيرة - سواء عرف المكلف حكمتها أم لم تتضح له - والتصور الذي لم تتضح معالمه بعد ليعرف المؤمن مهمة هذا الدين في الأرض ؛ ومهمته هو - المؤمن - بوصفه قدرا من قدر اللّه ، ينفذ به اللّه ما يشاؤه في هذه الحياة . . لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف ، الذي يصوره السياق القرآني هذا التصوير ؛ ويعجب منه هذا التعجيب ! وينفر منه هذا التنفير . فأما لما ذا لم يأذن اللّه للمسلمين - في مكة - بالانتصار من الظلم ؛ والرد على العدوان ؛ ودفع الأذى بالقوة . . وكثيرون منهم كان يملك هذا ؛ فلم يكن ضعيفا ولا مستضعفا ؛ ولم يكن عاجزا عن رد الصاع صاعين . . مهما يكن المسلمون في ذلك الوقت قلة . . أما حكمة هذا ، والأمر بالكف عن القتال ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والصبر والاحتمال . . حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى والعذاب ما لا يطاق ، وبعضهم يتجاوز العذاب طاقته ؛ فيفتن عن دينه . وبعضهم لا يحتمل الاستمرار في العذاب فيموت تحت وطأته . . أما حكمة هذا فلسنا في حل من الجزم بها . لأننا حينئذ نتألى على اللّه ما لم يبين لنا من حكمة ؛ ونفرض على أوامره أسبابا وعللا ، قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقية . أو قد تكون ، ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها ، ويعلم - سبحانه - أن فيها الخير والمصلحة . . وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف . أو أي حكم في شريعة اللّه - لم يبين اللّه سببه محددا جازما حاسما - فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف ؛ أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف ، مما يدركه عقله ويحسن فيه . . فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال . ولا يجزم - مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام اللّه - بأن ما رآه هو حكمة ؛ هو الحكمة التي أرادها اللّه . . نصا . . وليس وراءها شيء ، وليس من دونها شيء ! فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع اللّه . ومقتضى ما بين علم اللّه ومعرفة الإنسان من اختلاف في